من تركة نظام الأسد , العلاقة المعقدة بين حزب الله والثورة السورية
رحل بشار الأسد عن المشهد السوري بتدبير أقليمي ودولي وادوات سورية ، رحل تاركًا خلفه إرثًا سياسيًا وأمنيًا تختلف حوله الأطراف العربية كما جرت العادة في كل حدث محوري " سقوط صدام, القذافي" .
من المبكر تحليل تداعيات هذه التركة على المستويين الإقليمي والدولي، فالتطورات متسارعة، والتحالفات تتبدل في ظل مستجدات جيوسياسية تتحدى قدرة عقولنا على استيعاب أبعادها.
من خطط لهذا التحول لم يرحم محدودية إدراكنا لقواعد اللعبة السياسية الحديثة ؛ إذ لا يمكن اعتبار انهيار نظام "شرعي" وصعود حركة مصنّفة "إرهابية" على اللوائح الدولية مجرّد مصادفة أو انتصارًا عفويًا في معركةٍ عابرة. فالمعادلة بالتأكيد أُعدت في دهاليز الدبلوماسية والمخابرات الدولية، حيث صُمِّمت السيناريوهات واتُّفِق على التنفيذ والنتائج المرجوة بين اللاعبين الكبار.
أولئك الذين فهموا قواعد اللعبة نجوا، أما من أصرّ على معاندة قوانين القوة والتوازنات الإقليمية فقد سقط ضحية الغطرسة، لأن فن الممكن يبقى القانون الحاكم في العلاقات الدولية.
إقليمياً، شكّل نظام الأسد مع إيران عمقًا استراتيجيًا حيويًا لحزب الله، والذي استند إلى هذا الدعم في صراعه مع إسرائيل وتعزيز نفوذه في الداخل اللبناني. سقوط النظام كان خسارة كبيرة ، فالنظام السوري كان مصدر دعم للحزب. لذلك، كان من الطبيعي أن يدافع حزب الله عن هذا العمق الاستراتيجي حتى النهاية وفي نقس الوقت انكسار الحزب عجل في سيناريو سقوط النظام في دمشق .
من وجهة نظر السوريين، خصوصًا مناصري الثورة، حزب الله يُنظر إليه على أنه كان ذراع للنظام , مارس القمع ضدهم، الأمر الذي ولّد عداوة شعبية عميقة ستُشكّل تحديًا مستقبليًا للحزب في أي محاولة لبناء علاقات مع السوريين ونظامهم السياسي الجديد.
انتصار الثورة السورية وصعود نظام جديد مدعوم دوليًا – حتى وإن كانت بعض عناصره مصنفة أيضًا على لوائح الإرهاب, فرضت معادلة جيوسياسية جديدة على المنطقة . حزب الله، رغم الضربات الإسرائيلية التي أضعفت قدراته العسكرية وقتلت قائده ومعظم قادة الصفوف المتقدمة ، لا يزال يمتلك نفوذًا سياسيًا وشعبيًا داخل لبنان. في المقابل، سيسعى النظام السوري الجديد لإثبات شرعيته وتوسيع نفوذه بدعم من القوى الكبرى والمحيط العربي. فالطرفان باقيان في الساحة .
كيف سيتعامل الطرفان في ظل هذه المعادلة الحساسة؟
الجواب يعتمد على مدى استعداد كل طرف لاعتماد البراغماتية السياسية كأداة للتكيف مع الواقع الجديد. على سبيل المثال، يُعد أحمد الشرع نموذجًا للتحول البراغماتي في مشهدنا هذا , إذ انتقل من الانتماء إلى الحركات الجهادية المتطرفة ليصبح سياسيًا ببدلة ورباط ولحية مشذبة، مؤسسًا خطابه على الواقعية والاعتراف بالمعادلات الجديدة , كلاعب او أداة وحسب فهم المناصرين او المعادين له .
لا يجب ان نتعاضى أنه في نهاية المطاف، لا يمكن فصل حزب الله والنظام السوري الجديد عن السياق الأوسع للمشاريع الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فكلاهما يشكل جزءًا من خطط إقليمية ودولية أكبر، ويظل السؤال هل ستتغلب المصالح المشتركة على العداء المتبادل؟
في النهاية، وحده الزمن، ومعه "جحافل المحللين الاستراتيجيين العرب" – وما أكثرهم – سيحملان الإجابة.
يوحنان الهوزي
25 شباط 2025
hadbaa.com
hadbaa podcast
We use cookies to analyze website traffic and optimize your website experience. By accepting our use of cookies, your data will be aggregated with all other user data.